صديق الحسيني القنوجي البخاري
65
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا أي صدقا من غير ريب دون من آمن وسكن دار الشرك ، وفي الحديث المتفق على صحته بل المتواتر « المرء مع من أحب » « 1 » ونصب حقا على المصدر المؤكد أو تقديره إيمانا حقا ، قاله في جامع البيان . وقال أبو السعود : كلام مسوق للثناء عليهم والشهادة لهم بفوزهم بالقدح المعلى من الإيمان مع الوعد الكريم اه . والحاصل أنهم هم الكاملون في الإيمان لأنهم حققوه بتحصيل مقتضياته من هجرة الوطن ومفارقة الأهل والسكن ، والانسلاخ من المال والدنيا لأجل الدين والعقبى ، وليس في هذا تكرير لما قبله فإنه وارد في الثناء على هؤلاء ، والأول وارد في إيجاب الموالاة والنصرة . ثم أخبر سبحانه أن لَهُمْ منه مَغْفِرَةٌ لذنوبهم في الآخرة وَ لهم في الدنيا رِزْقٌ كَرِيمٌ خالص عن الكدر طيب مستلذ لا تبعة له ولا منة فيه . ثم ألحق بهم في الأمرين من سيلحق بهم ويتسم بسيمتهم فقال : وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ اختلف في قوله : مِنْ بَعْدُ فقيل من بعد الحديبية وبيعة الرضوان . قال القرطبي : وذلك أن الهجرة من بعد ذلك كانت أقل رتبة من الهجرة الأولى ، والهجرة الثانية هي التي وقع فيها الصلح ووضعت الحرب أوزارها نحو عامين ثم كان فتح مكة اه . وقيل بعد نزول هذه الآية ، وقيل من بعد غزوة بدر ، وقال الخازن : الأصح أن المراد بهم أهل الهجرة الثانية لأنها بعد الهجرة الأولى لأن الهجرة قد انقطعت بعد فتح مكة لأنها صارت دار الإسلام بعد الفتح . فَأُولئِكَ مِنْكُمْ أي مثلكم في استحقاق ما استحقيتموه من الموالاة والمناصرة وكمال الإيمان والمغفرة والرزق الكريم ، لكن فيه دليل على أن مرتبة المهاجرين الأولين أشرف وأعظم من مرتبة المهاجرين المتأخرين بالهجرة لأن اللّه تعالى ألحق المهاجرين المتأخرين بالمهاجرين السابقين وجعلهم معهم ، وذلك معرض المدح والشرف ، ولولا أن الأولين أفضل وأشرف لما صح هذا الإلحاق . قال في الجمل : ولم ينبهوا هنا على حكم التوارث بالهجرة الثانية هل هو ثابت
--> ( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الأدب باب 96 ، ومسلم في البر حديث 165 ، والترمذي في الزهد باب 50 ، والدعوات باب 98 ، والدارمي في الرقاق باب 71 ، وأحمد في المسند 1 / 391 ، 3 / 104 ، 110 : 159 ، 165 ، 167 ، 168 ، 172 ، 173 ، 178 ، 192 ، 198 ، 200 ، 202 ، 203 ، 207 ، 208 ، 222 ، 226 ، 227 ، 228 ، 255 ، 268 ، 286 ، 283 ، 288 ، 336 ، 394 ، 4 / 107 ، 160 ، 239 ، 241 ، 392 ، 395 ، 398 ، 405 .